عبد الملك الجويني
152
الشامل في أصول الدين
وضح بطلان أصلهم في التماثل . ومن أوضح ما نتمسك به عليهم ، أن نقول : إذا سألتم عن وجود الباري ، قلتم إنه ليس بمعلوم ، ومعلوم أن نفي النفي إثبات ، كما أن نفي الإثبات نفي ، وهذا معلوم بأوائل العقول وبدائهها . فإذا قلتم : الرب تعالى ليس بمنفي ، فقد صرحتم بكونه ثابتا ، إذ ليس بين النفي والإثبات رتبة . ثم إذا لزم الثبوت من نفي النفي ، لوجب المماثلة على قضية أصلكم ، فإن الثبوت متحقق فينا . فإما أن تنقضوا أصلكم في التماثل ، وإما أن لا تقولوا إنه ليس بمنفي ، وهذا لا مخلص لهم منه . فإن رجعوا عند لزوم السؤال إلى عبارة محضة فقالوا : لم ننطق في صفات الباري بإثبات ، ونطقنا في صفاتنا بالإثبات ، فلم يلزمنا التماثل . قيل لهم : أنتم وإن لم تنطقوا في صفات الإله بصيغة إثبات ، فقد نطقتم بصيغة معناها الإثبات . وإنما الغرض من العبارات معانيها ، وأقوال القائلين . وعبارة المعبرين لا توجب للذوات شيئا من الصفات ، فإنها ترجع إلى اللغات الثابتة توفيقا واصطلاحا ، ووضوح ذلك يغني عن بسطه . ثم الذي يقطع دابرهم أن نقول : إذا قلتم الرب ليس بمنفي ، فلا تخلون إما أن تعتقدوا ثبوته عند نفيكم نفيه ، وتمنعوا من تسميته ثابتا مع انطواء معتقدكم عليه . وإما أن تزعموا أنا مع نفي النفي ، لا نعتقد الثبوت . فإن قلتم : إنا نعتقد الثبوت ، ونمتنع من العبارة . وزعمتم أن التماثل في العبارة ، فصفوا اللّه تعالى بالوجود ، وانطقوا به ، واعتقدوا وجود الحادث ، ولا تنطقوا به ، لتنتفي المماثلة لفظا - كما قلتم - وهذا ما لا مخلص لهم منه . والثبوت اللازم أولى بأن ننطق به من الجائز . وإن زعمتم أنا مع نفي النفي لا نعتقد الثبوت ، فقد خرجتم عن ضرورة العقل . فإنا نعلم بديها أن ما علم أنه ليس بمنفي ، فهو ثابت . والمناقش في ذلك مراغم . ومما نستدل به أيضا أن نقول : معاشر الفلاسفة خبرونا : أتزعمون أن الاشتراك في وصف واحد من أوصاف الإثبات يوجب الاشتراك فيما عداه من الأوصاف ، أم تزعمون أن الاشتراك في وصف لا يوجب الاشتراك في غيره ؟ فإن زعمتم أن الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتراك في سائر الصفات ، كان ذلك باطلا ، لعلمنا باشتراك السواد والبياض في كونها عرضين مع اختلافهما في كون أحدهما سوادا وكون الثاني بياضا ، فاستبان بذلك أن الاجتماع في صفة واحدة لا يوجب الاجتماع في سائرها .